الشيخ علي المشكيني
226
رسائل قرآنى
وقوله : وَما كَفَرَ سُلَيْمَانُ أيلو كان دعوى الشياطين حقّاً ، وكان تسلّط سليمان على الملك والجنود بواسطة السحر ، لكان كافراً بربّه ؛ إذ دعوى النبوّة الكاذبة بالسحر كفرٌ باللَّه ؛ فلم يسحر سليمان ، ولم يكفر بربّه . وقوله : وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا أيبنسبتهم السحر إلى سليمان وإنكار نبوّته . لكن يظهر من قوله : يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ بلا ذكر العاطف أنّه تعليل لكفر الشياطين ، فيظهر منه أنّ تعليم السحر سبب للكفر ، ولازمه كون تعلّمه والعمل به أيضاً كذلك ، ويشهد به آخر الآية وبعض الروايات ، كما سيجيء . وبذلك يمكن أن يقال : إنّ قول بعض المفسّرين أنّ لفظ الكفر في الموضعين بمعنى السحر ليس ببعيد ، إلّاأنّه لا يثبت كون مطلق السحر كفراً ؛ فإنّ سحر سليمان كفرٌ لمقارنة دعوى النبوّة ، وسحر الشياطين كفر لتقارنه بإنكارها . قوله تعالى : وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ الظاهر أنّه عطف على الموصول في قوله وما تَتْلُوا والمراد أنّ اليهود قد اتّبعوا السحر الذي كان عند الشياطين ، والسحر الذي أنزله اللَّه على الملكين ببابل . وبابل هو البلد الكبير الذي كان عاصمة لمملكة بابل المعمورة في زمن إبراهيم الخليل الواقعة بين الفرات ودجلة ، ويظهر من الآثار أنّه كان قد كثرت السحرة في تلك الناحية ، وأضرّت على الناس شرورهم ، فأرسل اللَّه ملكين ، وعلّمهما السحر ، وأمرهما بتعليمه للعباد ؛ ليدفعوا به سحر السحرة ، ويحفظوا أنفسهم من شرورهم ، ولا يستعملوه كما يستعمله المبطلون ، فخالفوا في ذلك كما حكاه اللَّه تعالى عنهم : قوله تعالى : فَلا تَكْفُرْ يدلّ بظاهره على أنّ نفس عمل السحر كفرٌ ؛ فيكون شاهداً للاحتمال المذكور في قوله : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ . قوله : إلّا بِإذْنِ اللَّهِ يعني بترخيصه ، فإنّ قدرة اللَّه تعالى في جميع أُمور التكوين غير مغلوبة حتّى حين تحقّق أسبابها . فتأثير السحر في إضرار الناس إنّما هو بترخيص اللَّه وإذنه ، كسائر العلل التكوينيّة . وقد مرّ في كلمة « الإذن » ما يناسب المقام .